فصل: تفسير الآيات (146- 149):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (146- 149):

{الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)}
{الذين} في موضع رفع بالابتداء، والخبر {يعرفونه}، ويصح أن يكون في موضع خفض نعتاً للظالمين و{يعرفونه} في موضع الحال.
وخص الأبناء دون الأنفس وهي ألصق، لأن الإنسان يمر عليه من زنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه، والمراد هنا معرفة الوجه وميزه لا معرفة حقيقة النسب، ولعبد الله بن سلام رضي الله عنه في هذا الموضع كلام معترض يأتي موضعه إن شاء الله، والضمير في {يعرفونه} عائد على الحق في القبلة والتحول بأمر الله إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج والربيع، وقال قتادة أيضاً ومجاهد وغيرهما: هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، أي يعرفونه صدقه ونبوته، والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم، والإشارة بالحق إلى ما تقدم من الخلاف في ضمير {يعرفونه}، فعم الحق مبالغة في ذمهم، و{هم يعلمون} ظاهر في صحة الكفر عناداً.
وقوله تعالى: {الحق من ربك}، {الحقُّ} رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو الحق، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه {الحقَّ} بالنصب، على أن العامل فيه {يعلمون}، ويصح نصبه على تقدير: الزم الحق.
وقوله تعالى: {فلا تكونن من الممترين}، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وامترى في الشيء إذا شك فيه، ومنه المراء لأن هذا يشك في قول هذا، وأنشد الطبري- شاهداً على أن الممترين الشاكون- قول الأعشى: [المتقارب]
تدر على اسؤق الممترين ** ركضاً إذا ما السراب ارجحن

ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا: الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزاً لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، فليس في البيت معنى من الشك كما قال الطبري.
وقوله تعالى: {ولكل وجهة} الآية، الوجهة: فعلة من المواجهة كالقبلة، وقوله: {هو} عائد على اللفظ المفرد في {كل}، والمراد به الجماعات.
المعنى: لكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه، قاله الربيع وعطاء وابن عباس، وقرأ ابن عباس وابن عامر وحده من السبعة {هو مولاها}، وقالت طائفة: الضمير في {هو} عائد على الله تعالى، والمعنى: الله موليها إياهم، وقالت فرقة: المعنى في الآية أن للكل ديناً وشرعاً وهو دين الله وملة محمد وهو موليها إياهم اتبعها من اتبعها وتركها من تركها، وقال قتادة: المراد بالآية أن الصلاة إلى الشام ثم الصلاة إلى الكعبة لكل واحدة منهما وجهة الله موليها إياهم، وحكى الطبري أن قوماً قرؤوا {ولكل وجهة} بإضافة كل إلى وجهة، وخطأها الطبري.
قال القاضي أبو محمد: وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع، وقدم قوله: {لكل وجهة} على الأمر في قوله: {فاستبقوا} للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمروا الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنه وسلمت الواو في وجهة ولم تجر كعدة وزنة لأن {وجهة} ظرف وتلك مصادر فسلمت للفرق، وأيضاً فليكمل بناء الهيئة كالجلسة، قال أبو علي: ذهب قوم أنه مصدر شذ عن القياس فسلم، ومال قوم إلى أنه اسم ليس بمصدر.
قال غير أبي علي: وإذا أردت المصدر قلت جهة.
قال القاضي أبو محمد: وقد يقال الجهة في الظرف، وحكى الطبري عن منصور أنه قال: نحن نقرؤها {ولكلٍّ جعلنا قبلة يرضونها}.
ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات والبدار إلى سبيل النجاة، ثم وعظهم بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيداً وتحذيراً.
وقوله: {يأتِ بكم الله جميعاً} يعني به البعث من القبور، ثم اتصف الله تعالى بالقدرة على كل شيء مقدور عليه لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإتيان بهم.
وقوله تعالى: {ومن حيث خرجت}، معناه حيث كنت وأنّى توجهت من مشارق الأرض ومغاربها، ثم تكررت هذه الآية تأكيداً من الله تعالى، لأن موقع التحويل كان صعباً في نفوسهم جداً فأكد الأمر ليرى الناس التهمم به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه.

.تفسير الآيات (150- 151):

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)}
قوله تعالى: {فولوا وجوهكم شطره} هو فرض استقبال القبلة على المصلين، وفرض المصلي ما دام يرى الكعبة أن يصادفها باستقباله، فإذا غابت عنه ففرضه الاجتهاد في مصادفتها، فإن اجتهد ثم كشف الغيب أنه أخطأ فلا شيء عليه عند كثير من العلماء، ورأى مالك رحمه الله أن يعيد في الوقت إحرازاً لفضيلة القبلة.
وقوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} الآية، قرأ نافع وحده بتسهيل الهمزة، وقرأ الباقون {لئلا} بالهمز، والمعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة في ذلك {لئلا}، وقوله: {للناس} عموم في اليهود والعرب وغيرهم، وقيل: المراد بالناس اليهود ثم استثنى كفار العرب.
قال القاضي أبو محمد: وقوله: {منهم} يرد هذا التأويل: وقالت فرقة {إلا الذين} استثناء متصل، وهذا مع عموم لفظة الناس، والمعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني اليهود وغيرهم من كل من تكلم في النازلة في قولهم {ما ولاهم} استهزاء، وفي قولهم: تحير محمد في دينه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو من منافق، وسماها تعالى حجة وحكم بفسادها حين كانت من ظلمة، وقالت طائفة {إلا الذين} استثناء منقطع وهذا مع كون الناس اليهود فقط، وقد ذكرنا ضعف هذا القول، والمعنى: لكن الذين ظلموا يعني كفار قريش في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله، ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد: {ألا} بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح لكلام، فيكون {الذين} ابتداء، أو على معنى الإغراء بهم فيكون {الذين} نصباً بفعل مقدر.
وقوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشوني} الآية، تحقير لشأنهم وأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمره، وقوله: {ولأتم} عطف على قوله: {لئلا}، وقيل: هو مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر بعد ذاك، والتقدير لأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ونحوه. و{لعلكم تهتدون} ترجٍّ في حق البشر.
والكاف في قوله: {كما} رد على قوله: {لأتم} أي إتماماً كما، وهذا أحسن الأقوال، أي لأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم} إجابة لدعوته في قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} الآية، وقيل: الكاف من {كما} رد على {تهتدون}، أي اهتداء كما، وقيل، هو في موضع نصب على الحال، وقيل: هو في معنى التأخير متعلق بقوله: {فاذكروني}، وهذه الآية خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المعنيّ بقوله: {رسولاً منكم}، و{يتلو} في موضع نصب على الصفة، والآيات: القرآن، و{يزكيكم} يطهركم من الكفر وينميكم بالطاعة، و{الكتاب} القرآن، و{الحكمة} ما يتلقى عنه عليه السلام من سنة وفقه في دين، و{ما لم تكونوا تعلمون} قصص من سلف وقصص ما يأتي من الغيوب.

.تفسير الآيات (152- 157):

{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}
قال سعيد بن جبير: معنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة.
قال القاضي أبو محمد: أي اذكروني عند كل أموركم فيحملكم خوفي على الطاعة فأذكركم حينئذ بالثواب، وقال الربيع والسدي: المعنى اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحوه.
وفي الحديث: إن الله تعالى يقول: «ابن آدم اذكرني في الرخاء أذكرك في الشدة»، وفي حديث آخر: إن الله تعالى يقول: «وإذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» وروي أن الكافر إذا ذكر الله ذكره الله باللعنة والخلود في النار، وكذلك العصاة يأخذون بحظ من هذا المعنى، وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: «قل للعاصين لا يذكروني».
و{اشكروا لي} واشكروني بمعنى واحد، و{لي} أشهر وأفصح مع الشكر، ومعناه نعمي وأياديّ، وكذلك إذا قلت شكرتك فالمعنى شكرت صنيعك وذكرته، فحذف المضاف، إذ معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معاً، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف، و{تكفرون} أي نعمي وأياديّ، وانحذفت نون الجماعة للجزم، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء التي بعدها تخفيفاً لأنها رأس آية، ولو كان نهياً عن الكفر ضد الإيمان لكان: ولا تكفروا، بغير النون.
و{يا} حرف نداء وأيّ منادى وها تنبيه، وتجلب أي فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً ما، فلو لم تجلب أي لاجتمع تعريفان، وقال قوم: {الصبر}: الصوم، ومنه قيل لرمضان: شهر الصبر، وتقدم معنى الاستعانة بالصبر والصلاة، واختصارة أنهما رادعان عن المعاصي.
وقوله تعالى: {إن الله مع الصابرين} معناه بمعونته وإنجاده، فهو على حذف مضاف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «اهجُهم وروح القدس معك»، وكما قال: «ارموا وأنا مع بني فلان»، الحديث.
وقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} الآية، سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد مات فلان ومات فلان، فكره الله أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضاً: فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم، ويبين ذلك من حديث أم حارثة في السير، والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي أنهم في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب، إلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوال لطوائف أو للجميع في أوقات متغايرة، وجمهور العلماء على أنهم في الجنة، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة: إنه في الفردوس، وقال مجاهد: هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها، و{أموات} رفع بإضمار الابتداء والتقدير هم أموات، ولا يجوز إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في قولك قلت كلاماً وحجة.
وقوله: {ولكن لا تشعرون} أي قبل أن نشعركم.
وقوله تعالى: {ولنبلونكم} الآية، أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وأخبر أنه مع الصابرين، ثم اقتضت الآية بعدها من فضل الشهداء ما يقوي الصبر عليهم ويخفف المصيبة، ثم جاء بعد ذلك من هذه الأمور التي لا تتلقى إلا بالصبر أشياء تعلم أن الدنيا دار بلاء ومحن، أي فلا تنكروا فراق الإخوان والقرابة، ثم وعد الصابرين أجراً، وقال عطاء والجمهور: إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: الخطاب لقريش وحل ذلك بهم فهي آية للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والأول أظهر، {ولنبلونكم بشيء} معناه لنمتحننكم، وحركت الواو لالتقاء الساكنين، وقيل: الفعل مبني وهو مع النون الثقيلة بمنزلة خمسة عشر، و{الخوف} يعني من الأعداء في الحروب، و{الجوع} الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعاً، ونقص الأموال: بالجوائح والمصائب، {والأنفس}: بالموت والقتل، {والثمرات}: بالعاهات ونزع البركة، فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازاً ولذلك وحد، وقرأ الضحاك {بأشياء} على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض، وقال بعض العلماء: إنما المراد في هذه الآية مؤن الجهاد وكلفه، فالخوف من العدو والجوع به وبالأسفار إليه ونقص الأموال بالنفقات فيه والأنفس بالقتل والثمرات بإصابة العدو لها أو بالغفلة عنها بسبب الجهاد.
ثم وصف تعالى الصابرين الذين بشرهم بقوله: {الذين إذا أصابتهم مصيبة} الآية، وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له، وقال سعيد بن جبير: لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفا على يوسف.
وروي أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال: {إنا لله وإنا إليه راجعون}، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ فقال: «نعم كل ما آذى المؤمن فهي مصيبة».
وقوله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} الآية، نعم من الله على الصابرين المسترجعين، وصلوات الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيداً، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية: نعم العدلان ونعم العلاوة أراد بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الاهتداء.